فترة الأعياد لا تقتصر فقط على أخذ عطلة قبل العودة إلى الحياة الإسرائيلية العادية والمحمومة والروتينية؛ فهي أيضا فترة من النشاط المكثف تحسبا للتحديات المقبلة. كان هذا صحيحا بشكل خاص هذا العام، حيث رافقت (أو شابت) قضايا متنوعة مثل مستقبل الاتفاق الإيراني والمخصصات لذوي الإعاقة الاحتفالات. أهم هذه الجهود – لكن حظيت ربما باهتمام أقل – ركزت على التغييرات التي طرأت على تشكيلة من سيقومون باتخاذ قرارات في قضايا حاسمة في الأشهر المقبلة.

عدد أقل من المشرعين ذوي الخبرة في المناصب المنتخبة وعدد أكبر من التعيينات السياسية في المناصب التنفيذية لا تبشر خيرا للحكم الرشيد. على كفة الميزان قدرات صنع السياسات لدى الحكومة بصورة عامة: مهنيتها، فعاليتها، استعدادها لدراسة بدائل، وقدرتها على العمل من أجل المصلحة العامة.

هذا الأسبوع، قدم عضوا كنيست من حزب “المعسكر الصهيوني” المعارض، البروفيسور مانويل تراختنبرغ وأريئيل مرغليت، استقالتيهما من الكنيست. قدم كل منهما تفسيرات مختلفة لقراره: تراختنبرغ سلط الضوء على إحباطه من عدم قدرته على صنع تغيير حقيقي من مقاعد المعارضة وخيبة أمله من الطريقة التي تسير فيها الأمور في البرلمان؛ مرغليت، الذي من الواضح أنه يشعر بالحسرة من حملته الانتخابية الفاشلة للفوز بقيادة حزب “العمل”، شدد على رغبته في استئناف بعض تعهداته الاجتماعية والمالية السابقة. لقد خلُص كلاهما – وربما بشكل صحيح من وجهة نظرهما – إلى أنه بالإمكان أن يكون لهما تأثير على جودة الحياة في البلاد من خارج الكنيست أكثر من داخل ما يعتبرانه حدودها. انضم الاثنان إلى قائمة طويلة من أعضاء الكنيست الذين تخلوا عن مناصبهم المنتخبة بعد إدراكهم أن مؤهلاتهم الإستثنائية لا تضمن لهم بالضرورة تأثيرا أكبر في البرلمان.

في الواقع، إن المنصب السياسي – لا سيما في الكنيست – لا يقل كمهنة عن أي مهنة أخرى. فهو يتطلب مجموعة مهارات تختلف عن التدريس في الجامعة، والنجاح في القطاع الخاص، أو الخبرة العسكرية. لهذا السبب نجحت قلة ممن اختاروا الانتقال من المستويات العليا في الأكاديمية وقطاع الأعمال والجيش الإسرائيلي وحتى الحاخامية في الصمود لفترة طويلة في عالم السياسة. الكثيرون رأوا بأنفسهم منقذين سيقومون بإرشاد زملائهم الأقل كفاءة منهم. آخرون رأوا ببساطة أن انتخابهم هو نقطة انطلاق لمناصب وزارية وانسحبوا فور إدراكهم إنهم لن يحصلوا على ما تمنوه. ونادرا ما أظهر هؤلاء الصبر اللازم لتعلم تعقيدات وظيفتهم الجديدة والتأقلم وفقا لذلك (أولئك الذين برزوا كانوا من بين أبرز القادة والبرلمانيين في البلاد).

قد لا يمتاز أعضاء الكنيست في تنفيذ مشاريع ملموسة. ولكن هذا ليس هو ما يفترض بهم القيام به. مهمتهم هي تصميم القوانين – وبالتالي المبادئ التوجيهية المعيارية – لمصلحة المجتمع. تقع على عاتقهم المسؤولية الثقيلة في الإشراف على تصرفات الحكومات وضمان عمل آليتها بشكل منصف لجميع المواطنين (وهذا ينطبق في الأخص على النواب من المعارضة، الذين تقع عليهم مسؤولية انتقاد السياسات القائمة وتقديم بدائل قابلة للتطبيق في الوقت نفسه). ويتم اختيارهم بصفتهم ممثلين لمواقف معينة ووجهات نظر، ونعم، لمصالح أيضا. لا يتم الحكم على عملهم بالنوايا ولكن بالنتائج. لهذا السبب، قبل كل شيء، هم مبعوثون لناخبيهم، وبالتالي فهم مسؤولون أمام دوائرهم الإنتخابية. عليهم أن يقدموا التقارير لهم والاستماع إلى مشاكلهم: فهم في الكنيست – حتى في نظام التمثيل النسبي في إسرائيل – بناء على رغبتهم.

إن ترك منصب في منتصف الولاية الإنتخابية هو تخل عن الناخبين الذين اجتمعوا لدعم أفراد معينين، ووضعوا ثقتهم في قدراتهم واعتمدوا على أفعالهم. على الرغم من أن ذلك ليس من السهل دائما – وبالتأكيد لا توجد في ذلك أي متعة في الآونة الأخيرة – فإن من سعى إلى منصب سياسي عليه أن يقوم بكل ما هو ممكن لإنهاء ولاياته الإنتخابية كاملة. رحيلهم يحرم الكنيست غالبا من بعض أفضل العقول فيها. فهم بالتأكيد يتركون المهام اليومية في الحياة البرلمانية لسياسيين – لا توجد حدود على ولايتهم الإنتخابية – يشغلون مناصبهم منذ الأزل وأصبحوا بارعين في البقاء من دون تحسين واضح لمحيطهم. وبناء على ذلك، فإن الكنيست، التي ستستأنف أعمالها بعد عطلة طويلة بعد أسبوعين من اليوم، ستكون من دون شك ضعيفة.

في الوقت نفسه، يبدو الإئتلاف الحالي مصمما على زيادة سيطرته على البيروقراطية. في تناقض صارخ للمسؤولين المنتخبين، الغير ملزمين بأن تكون لديهم أي مؤهلات رسمية باستثناء الجنسية والحد الأدنى للسن، على موظفي القطاع العام الإيفاء بمتطلبات مهنية لتعيينهم أو لحصولهم على ترقية. في السنوات الأخيرة، تم بذل جهود استثنائية لجذب الخريجين الأكثر موهبة إلى القطاع العام، الذي كانت محظوظا بأن يكون لديه بعض أفضل العقول الإدارية والتقنية في البلاد. لكن معدل التناقص آخذ بالنمو بشكل مستمر، ويرجع ذلك في الغالب إلى نقص استخدام الموارد والسبل المقيدة للتقدم في العمل (تفكيك السلك الدبلوماسي المهني هو مجرد مثال واحد على هذه العملية التراجعية).

عدد المعينين سياسيا كان محدودا حتى اليوم، واقتصر في معظمه على مناصب ثقة مثل مدراء عامين في الوزارات الحكومية وموظفين شخصيين للوزراء ونواب الوزراء. لكن الحكومة عازمة على توسيع هذه الأرقام بشكل كبير. فقط في الأسبوع الماضي، قررت تأجيل طرح مشروع قانون مثير للجدل لأييليت شاكيد وياريف لافين يسمح للوزراء بتعيين مساعد للمدير العام وفقا لتقديرهم – وسبب في ذلك في الأساس هو أن رئيس الوزراء طلب برنامجا أكثر شمولا للتعيينات السياسية. تأجيل القرار الأخير لبضعة أسابيع لن يغير النتيجة النهائية: في الشهر المقبل سيتم تسييس شرائح متزايدة من المستويات العليا للإدارات، ومستوى المهنية والفعالية فيها سيعاني تبعا لذلك، وسيزداد التناقص في عدد الموظفين المخضرمين أصحاب المهارة في القطاع العام.

إزدراء الخبراء من قبل من يقود الحكومة بزر بوضوح في الفشل في تعيين مفوض جديد للخدمة المدنية ليحل محل موشيه ديان، الذي أنهى ولايته في شهر مايو. هذا المنصب هو المنصب الإداري الأرفع في الحكومة، المسؤول عن صياغة وتطبيق التوجيهات لتوظيف وترقية عشرات آلاف المستخدمين في المؤسسات الحكومية. وعلى ما يبدو فإن الاسم الوحيد الذي تم طرحه لهذا المنصب – عوفرا براخا، موظفة مغمورة في درجة متوسطة في وزارة الداخلية – تم سحبه بسبب عدم وجود دعم كاف.

عدم القدرة (أو هي عدم الرغبة؟) في تحديد مرشح مناسب لا تطيل من فترة عدم اليقين الإدارية فحسب، بل تساهم أيضا في شكل مباشر في تركيز السلطة بين أيدي ساسة كبار. سيكون بمقدورهم، مع قيود أقل بكثير من البيروقراطية المستهزأ بها والسلطة التشريعية المحاصرة، في المضي قدما في سياساتهم من دون قيود مهنية أو رقابة مناسبة من داخل المؤسسة الرسمية (باستثناء القضاء المطارد باستمرار). وأكثر من أي وقت مضى ستصبح هذه المهام شبه حصرية لوسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية – التي تتعرض بدورها بصورة منهجية لهجمات حكومية في الأشهر الأخيرة. في غضون ذلك، سيتم اتخاذ قرارت من قبل رئيس الوزراء والوفد المرافق له من دون الاستفادة من المعرفة المتراكمة لمن تدرب على تقديمها من دون إجحاف تجاه أيا كان في المنصب وفي أي وقت من الأوقات.

بالقيمة الحقيقية، هذا الوضع يعني أن الحكومة ستقوم بتحديد سياسات حيوية متعلقة بالاقتصاد والخدمات الاجتماعية والتعليم والأمن من دون استشارة مهنية أو إيلاء الاعتبار الكافي للمسؤولين مباشرة عن الإشراف على هذه المجالات. خطواتها ستواجه قيودا أقل من اعضاء الكنيست بسبب استنزاف المتخصصين في صفوفهم. في هذه الظروف، ستبقى المصالح العامة في إسرائيل رهينة لقلة قليلة وقوية، وستتدهور ديمقراطيتها أكثر وسيستمر تفكك التضامن الاجتماعي فيها.

بالإمكان تجنب كل ذلك إذا قام المسؤولون المنتخبون بالقيام بواجبهم كممثلين للشرائع المتنوعة من المواطنين في البلاد وإذا سُمح للإداريين فيها بتنفيذ مهامهم من دون تدخل مستمر. هذا هو جوهر الفصل بين السلطات الذي يوفر الضوابط والتوازنات اللازمة ويضمن الأداء السلس للآلية الحكومية المعقدة. من أجل ازدهار حكم رشيد، يجب أن تدخل أفضل وألمع العقول إلى القطاع العام والبقاء في مناصبهم – سواء كانوا مُنتخبين أو معينين – طوال فترة ولاياتهم. في حال اختاروا الخروج أو الوقوف على الهامش، سيتحملون جزءا من المسؤولية عن العواقب. لأنه من دونهم، لن يكون هناك أي اتساق أو تقدم أو ابتكار حكومي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.