“أبصر شو عاملة”، “بحطّش عً ذمتي”، “فش نار بلا دخان” هي جمل نسمعها ولا نعيرها اهتمامًا، عادةً ما تأتي بعد جريمة قتل امرأة أو اعتداء على فتاة أو “حلقة” من مسلسل عنف داخل الأسرة ضحيته عادةً الزوجة أو أنثى أخرى في محيط رجل عنيف. هذه الجمل التي تعلو الأجواء كفقاعات هواء وصابون تنتشر في كل مكان، وتلفت الانتباه لثوانٍ معدودة لتصبح هباء منثورًا في كل مكان، هباء يعمي أبصارنا وقلوبنا وعقولنا، كالمخدر يساعدنا على العودة سريعًا إلى حياتنا العاديّة النمطيّة وإلى العمل والبيت ومشاغل الدنيا اللانهائية. “أبصر شو عاملة لقتلوها؟”.

قتلت زينب لأنها رفضت وضع المخدرات والسموم في جدران بيتها المتواضع. هذا ذنبها وهذه هي النار التي سبّبت الدخان. فماذا تقولون؟. أ
وشيرين قتلت بسلاحِ قاتلٍ مأجور لأنها أبت أن تتنازل عن أطفالها الثلاثة وعن المنزل الذي يؤويهم. فقام المجرم باغتيالها أمام طفلتها وأخيها الذي رافقها في سيارتها.

نادية قتلت بعد أن كتبت في مذكراتها عن أب يغتصبها وعن قرارها بوضع حدٍّ لاعتداءاته عليها. فأرسل ذاك الأب ابنه ليتمّ الجريمة، فتُدفن الحقيقة مع نادية، ويدفن الأخ المغرر به في السجن. أمّا الأب فيبقى حرًّا طليقًا ويتزوّج وينجب من جديد أطفالًا لهذا العالم.

أمّا ريم فقتلت لأن رجلًا أحبّها وأحبّته وتقدّم لخطبتها مراتٍ عديدة، فحرّم أخوتها عليها ما أحلّه الله. ثمّ وُجدت جثتها العذراء في بئر مهجورة وعليها آثار كدمات وعنف. وغيرهن الكثير من النساء اللاتي قُتلن لمجرد انهن رفضن المشاركة بالانحطاط وعبرن عن رأيهن.ماذا فعلت تلك الفتيات ليكون مصيرها الموت؟ هل هناك أمرٌ قد أقوم به يعطي الحقّ لإنسان آخر، ولو كان أقرب الناس إليّ، أن يحاكمني ويقتلني؟.

السؤال الذي يجب أن يطرح هو ليس ما سبب الجريمة ضد النساء، فحسب، بل لماذا تقترف الجرائم ضد النساء فقط؟ هل هناك أخطاء تفعلها نساء لا يأتي بها رجال؟.

آن الأوان أن نفهم جميعًا أن الجرائم ضد النساء ما هي إلا محاولات بائسة لتخويف النساء والسيطرة عليهن وعلى كيانهن. فمن يرَ بالمرأة ملكًا له يفعل به ما يشاء. إذ لا يُلام الرجل على التصرف بأملاكه. نحن نربّي ذكورًا ليسيطروا على الإناث ونعطيهم الحق والشرعية والوسائل والمصطلحات الاجتماعية، كالشرف والعار والعيب والممنوع، لتحقيق الفوقية والسيطرة.

إذا كانت هذه هي المنظومة الطبيعية المتّبعة في مجتمعنا، نحاسب ونعاقب ضمنها دون سلطة أو شرعيّة قانونية، فلماذا إذن لا نخضع جميعًا، ذكورًا وإناثًا، للمحاسبة المجتمعية؟.

لنأخذ على سبيل المثال مفهوم “الشرف”، ولنفترض جدلاَ أننا نتفق جميعًا على تعريف “الشرف” اليوم، وأنشأنا بناءً عليه “محكمة الشرف العربية” وطلبنا من كل الرجال والنساء المثول أمام هيئة المحكمة حتى تبتّ بصحّة شرف كل منهم، لوجدنا أن أروقة المحكمة تعجّ بالنساء المطالبات بالعدل والبراءة من تهم أُدنّ بها زورًا فقط لكونهنّ نساء، أمّا الرجال فمعظمهم سيهرب من المواجهة والمثول أمام المحكمة. فكم جريمة اقترفتم يا معشر الرجال؟ وكم علاقة محرمة اجتماعيًّا ودينيًّا في رصيدكم؟ وكم من موقف لا يمتّ للشرف بصلة اتخذتم؟. ولا نتحدث هنا عن علاقة الرجال بالنساء فقط، فليشمل الشرف المواقف السياسية والوطنية والعمل والمكافحة في سبيل العيش، والعمل من أجل المجتمع وكل ما يندرج تحت “الأعمال الشريفة”. هيا نحاسب بعضنا بعضًا حتى النهاية، رجالًا ونساءً، من كلّ المجالات، القياديّة والسياسيّة والدينيّة والفكريّة والتربويّة والجماهيريّة.

أنا امرأة حرّة عاقلة وواعية لكل أفعالي وأقوالي، أعمل وأخدم مجتمعي وأسرتي ومثلي نساء كثيرات في كل مكان، سئمَت نفسي محاولات الرجال من حولي فرض سيطرتهم على حياتي، تارة باسم الدين وتارة باسم القيم والعادات الاجتماعية وتارة بفرض مفاهيم فضفاضة لا قوام لها ولا مضمون بحجة أني امرأة. لقد اخترتُ أن أكون حرة وغير قابلة للسيطرة على عقلي وجسدي وروحي. فإذا سمعتم يومًا أني قتلت فلا تقولوا “أبصر شو عملت؟”، فها أنتم اليوم تعلمون الحقيقة. فحينئذٍ ماذا أنتم فاعلون؟.

كتبت سماح سلايمة اغبارية هذا المقال ضمن نشاطات لجنة مناهضة قتل النساء العربيات تحضيرا لمؤتمر “نحن نتهم” المزمع عقده الأسبوع القادم 11/6 في مدينة الطيرة, والذي يناقش قضايا قتل النساء العربيات.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.